يحتدم النقاش حول العمل عن بُعد من جديد مع إلزام عدد من الشركات في المملكة المتحدة موظفيها بالعودة إلى المكتب خمسة أيام كاملة. وفي الوقت نفسه، تواصل النقاشات حول حقوق التوظيف وسياسات العمل المرن تطورها. فماذا يعني ذلك للشركات والموظفين؟
الدفع نحو العمل المكتبي بدوام كامل
استدعت مؤخرًا شركات كبرى كثيرة، منها Goldman Sachs وJPMorgan وWPP، موظفيها إلى المكتب بدوام كامل. ووفقًا لموقع Startups.co.uk1 (2025)، تستند الشركات التي تفرض أسابيع عمل من خمسة أيام في المكتب إلى أسباب مثل:
- التعاون والإنتاجية: يرى بعض القادة أن الابتكار يزدهر في المساحات المادية حيث تكون التفاعلات العفوية وتماسك الفريق أقوى
- ثقافة الشركة: الحفاظ على هوية مؤسسية قوية أسهل حين يتشارك الموظفون المساحة نفسها
- المساءلة والإدارة: قد تكون متابعة الأداء وضمان الانخراط المستمر أيسر في بيئة المكتب
ومن المفيد أن نفهم بمزيد من التفصيل كيف يتأثر كل من هذه الجوانب بالعمل الهجين أو بالعمل المكتبي الكامل.
الإنتاجية
وجدت دراسة2 أُجريت بالتعاون مع Stanford School of Humanities and Sciences (2024) أن الموظفين لم يكونوا أقل إنتاجية حين عملوا يومين إلى ثلاثة أيام على الأقل من المنزل. ووجدت الدراسة أيضًا أن الاحتفاظ بالموظفين تحسّن مع العمل الهجين. كما أفاد الموظفون الذين تتاح لهم خيارات العمل المرن برضا وظيفي أعلى، وضغط أقل، وتركيز أفضل أثناء العمل عن بُعد. وقد أتاحت القدرة على العمل بعيدًا عن مشتتات المكتب المستمرة تركيزًا أعمق ولفترات أطول، بما يرفع الإنتاجية والكفاءة معًا.
الثقافة
مع أن قياس الثقافة أصعب بكثير، فإن وجود قوى عاملة هجينة يمنح المؤسسات فرصة لإعادة تعريف ثقافتها. وإلى جانب تحسّن رفاه الموظفين، قد يؤدي ذلك إلى تحوّل يعود بالنفع على المؤسسة. فرعاية ثقافة قائمة على الثقة والشمول والمرونة يمكن أن تعزز تماسك الفريق، حتى حين لا يكون الموظفون في المساحة المادية نفسها كل يوم.
الإدارة
حين تُستخدم سببًا لعودة الموظفين إلى المكتب، فكثيرًا ما يعود الأمر إلى شيء واحد: الثقة. فحين يشعر المديرون بأنهم لا يستطيعون الوثوق بأن الموظفين يؤدون عملهم كما ينبغي، قد ينبع ذلك من شعورهم هم بعدم الأمان. غير أن نقص المهارات اللازمة ليكون المرء مديرًا فعّالًا في بيئة هجينة أمر يمكن معالجته. فكل العناصر التي تجعل المديرين فعّالين (التواصل الواضح والتوقعات الواضحة، وأدوات التعاون المنظمة، والإصغاء الفعّال، وتمكين الموظفين) يمكن ممارستها بالفعالية نفسها في بيئة عمل هجينة. بل قد يرى بعضهم أنها أسهل في مثل هذه البيئات، لأنها تضخّم الثقة وتتطلب أيضًا أن يكون تقييم العمل المنجز قائمًا على الأداء أكثر من قياسه بالمخرجات وحدها. وعادةً ما يفضي غياب الثقة إلى الحضور الشكلي، أي وجود الناس في المكتب لمجرد أن يُلاحَظوا لا لكي يكونوا منتجين.
غير أن هذا التحول لدى بعض الرؤساء التنفيذيين والمديرين يتعارض مع تفضيل واضح للعمل الهجين، إذ يقدّر الموظفون المرونة من أجل التوازن بين العمل والحياة والإنتاجية، وتُظهر أدلة متعددة إنتاجية أعلى مع عمل هجين متوازن على النحو المناسب.
وعلى الضفة الأخرى، يقدّر كثير من الموظفين العودة إلى المكتب لأسباب مثل:
- التهيئة والإرشاد: ثبت أن الخريجين والموظفين الجدد يجدون التهيئة والإرشاد تحديًا حقيقيًا من دون فترات طويلة في المكتب
- المحتوى الإبداعي وتطوير المنتجات: ثبت أن التفاعل المادي في البيئة المناسبة يحفّز تفكيرًا أعمق وحلولًا مبتكرة
- التفاعل الاجتماعي والزمالة: التفاعل المادي العفوي والأحاديث والأنشطة المرحة لا تعزز الرفاه والصحة النفسية فحسب، بل قد تقود أيضًا إلى أفكار وحوارات مثمرة
موقف الحكومة البريطانية من العمل المرن
يتطور إطار حقوق التوظيف في المملكة المتحدة ليعكس الطلب على مزيد من المرونة في العمل. ويعرض تقرير حزب العمال «خطة لجعل العمل مجزيًا» (Labour.org.uk 2024)3 مقترحات لتعزيز حماية الموظفين، منها:
- الحق في العمل المرن: يُفترض أن يكون العمل المرن هو الأصل للموظفين، ما يصعّب على أصحاب العمل رفض طلبات العمل عن بُعد أو الهجين من دون مبرر وجيه
- الحق في الانفصال: يضمن ألا يُتوقع من الموظفين الانخراط في مراسلات العمل خارج ساعاتهم التعاقدية
- حماية أقوى للعاملين: تهدف إلى إنهاء «المرونة أحادية الجانب» والحد من انعدام الأمان الوظيفي لدى الموظفين
ومع أنه لا توجد قيود قانونية على إلزام الموظفين بالعمل من المكتب، فإن هذه السياسات تكشف دفعًا واضحًا نحو نماذج عمل تتمحور حول الموظف أكثر.
العمل الهجين بوصفه أرضية وسطى
بالنسبة إلى كثير من الشركات، تبرز التسوية بين العمل عن بُعد والعمل من المكتب بوصفها الحل الأمثل. فسياسات العمل الهجين توفر المرونة مع إتاحة التعاون الحضوري. ووفقًا لـ Forbes4 (2024)، يمكن لنماذج العمل الهجين أن:
- تعزز رفاه الموظفين: بتقليص أوقات التنقل وتحسين التوازن بين العمل والحياة
- ترفع الإنتاجية: إذ يستطيع الموظفون التركيز على العمل العميق في المنزل وتخصيص أيام المكتب للاجتماعات والتعاون
- تحسّن الاحتفاظ بالمواهب واستقطابها: فالشركات التي تتيح المرونة تشهد غالبًا رضا أعلى لدى الموظفين ومعدل دوران أقل
ولكل ما سبق فائدة ملموسة في صافي أرباح المؤسسة. فتكلفة الموظفين تفوق أي بند آخر من نفقات الشركة. وإذا استطاعت المؤسسات رفع الأداء وخفض التكاليف الإضافية المرتبطة بموظفيها، فستلمس الفوائد.
ما الذي ينبغي أن تفعله الشركات؟
ينبغي للشركات أن تنظر في استراتيجيات لمكان العمل قائمة على البيانات، تقيّم الإنتاجية والانخراط والاحتياجات التشغيلية بدلًا من فرض سياسات مكتبية جامدة. فالشركات التي لا توفر المرونة تخاطر بخسارة المواهب لصالح منافسين يتبنّون العمل الهجين.
وفهم كيفية القيام بذلك هو في الغالب المجال الذي تقصّر فيه المؤسسات، فتعود إلى ردود فعل متسرعة مثل فرض العودة إلى المكتب خمسة أيام.
ومع تطور سياسات التوظيف في المملكة المتحدة، على الشركات أن تبقى متقدمة بالموازنة بين أهداف الأعمال وتوقعات الموظفين، وإيجاد استراتيجية لمكان العمل تنجح فعلًا.
وهنا تكمن قيمة النهج الشامل الذي يقدّم تفاصيل ما يجب فهمه وكيف يمكن تطبيقه. توفر Workplaced هذه المعلومات، ويسهل نشرها، وتقدّم تفاصيل يستطيع أي شخص في المؤسسة تطبيقها.
لماذا لا ينبغي أن يكون أي قرار للعودة إلى المكتب قالبًا واحدًا للجميع
الخلاصة من هذا النقاش الموجز واضحة. فللعمل الهجين أشكال كثيرة، وينبغي أن تعكس معايرته قطاع الشركة وعملياتها. كما ينبغي أن تعكس الأدوار الفردية والأنشطة والأولويات والتفضيلات. وقد ثبت أن تجاهل ذلك وفرض قرارات عودة شاملة مفرطة في الصرامة ينتهي بالاستياء والحضور الشكلي ودوران الموظفين. وإذا تناولنا جانبًا واحدًا فقط، أي الأجيال المختلفة، فثمة أدلة متزايدة على أن لكل جيل مجموعة تفضيلاته الخاصة.
فعلى سبيل المثال، وجد استطلاع أجرته FTI Consulting5 عام 2025 أن 42% من المستجيبين من الجيل Z قالوا إنهم سيكونون متحمسين و33% سيكونون متقبّلين لقرار محتمل بالعودة إلى المكتب، مقارنة بـ 33% فقط من المستجيبين من الجيل X قالوا إنهم متحمسون و25% قالوا إنهم سيكونون متقبّلين.
وجيل طفرة المواليد ومن هم أكبر سنًا هم الأقل ميلًا إلى البحث عن عمل بديل (31%) مقارنة بجيل الألفية (45%) والجيل Z (45%)، إذا طُلب منهم العودة إلى المكتب بدوام كامل.
وبالنظر إلى القطاعات المختلفة، ومرة أخرى من حيث الحماس لقرار العودة وتقبّله، قال العاملون في الخدمات المالية (70%) والتجزئة (69%) والرعاية الصحية (67%) إنهم يقدّرون روح الزمالة بوصفها أكثر جوانب الوجود في المكتب فائدة. بينما رأى العاملون في العمارة والهندسة (76%) والتصنيع (76%) والمصارف (67%) أنهم سيكونون أكثر إنتاجية في بيئة مكتبية.
والأهم بالنسبة إلى المنادين بعودة كاملة إلى المكتب خمسة أيام، أن الاستطلاع نفسه وجد أن 62% من العاملين بنمط هجين سيبحثون على الأرجح عن عمل بديل إذا طُلب منهم العودة إلى المكتب بدوام كامل. ويتسق ذلك مع دراسات عالمية كثيرة أخرى مثل Pew Research6 (الولايات المتحدة) بنسبة 46%، وفي المملكة المتحدة أفاد استطلاع أجرته Kahoot! بأن 29% ممن تتراوح أعمارهم بين 18 و24 عامًا سيستقيلون إذا طُلب منهم العودة بدوام كامل.
وهكذا تشير هذه الدراسات، وغيرها كثير من الدراسات المهنية والأكاديمية، إلى صورة معقدة لمدى تقبّل قرارات العودة إلى المكتب، وإلى تفضيلات شديدة الاختلاف بشأن ما يقدّره الناس، لا في هذا السياق وحده، بل أيضًا في دراسات أخرى بحسب الجنس والخصائص النفسية.
البندول يتأرجح
اللافت أن العودة إلى المكتب تتخذ مسارات مختلفة جدًا حول العالم، ولهذا أعددنا هذه السلسلة من ثلاث وجهات نظر عالمية متباينة.
فبينما نرى في المملكة المتحدة سياسة مدعومة حكوميًا لترسيخ المرونة والعمل الهجين حقًا أساسيًا للعاملين، تناقش الحكومة في الولايات المتحدة إلغاء العمل عن بُعد لـ 94% من الموظفين الفيدراليين، وتطبّق ذلك عبر عملية تنفيذ مثيرة للجدل تقودها DOGE. ونستكشف تبعات ذلك في المدونة التي كتبها كبير مسؤولي الاستراتيجية لدينا، Asaël Akkerman، والشريك المؤسس Nick Nunnington.
وتمضي الإمارات في اتجاه مماثل، إذ تصقل النماذج الهجينة بدلًا من تفكيكها. فبدلًا من فرض قرارات جامدة، تستفيد الشركات هناك من تحليلات مكان العمل لتصميم بيئات متوازنة تركّز على النتائج. أما الحكومة فتركّز على أمر مختلف مرة أخرى، إذ تبحث كيف يمكن لتوازن هجين مناسب أن يسهم في تخفيف الازدحام وتحقيق أهداف الاستدامة ورفاه الموظفين ورضاهم.
ويُظهر التاريخ أن اتجاهات مكان العمل كثيرًا ما تتأرجح كالبندول، من سيطرة الموظف إلى سيطرة صاحب العمل. ومع ذلك، وكما نرى في المملكة المتحدة وعلى مستوى العالم، حين تتبنّى المؤسسات المرونة على نحو استراتيجي، فإنها تتجنب مخاطر فقدان المواهب وضعف الانخراط وتراجع الرفاه.
والسؤال ليس أيهما أفضل، العودة إلى المكتب أم العمل عن بُعد، بل ما إذا كانت استراتيجية مكان العمل لديك مستندة إلى البيانات واحتياجات الموظفين ونتائج الأعمال. وبالاسترشاد بهذا النهج، يمكن تحقيق ما نسمّيه «التوازن الهجين» لجميع الموظفين، بما يدعم أهداف المؤسسة والملفات الشخصية للأفراد وأنشطتهم والتزاماتهم معًا. ويمكن لإيجاد هذا المزيج الأمثل أن يدعم، من بين أمور أخرى، الإنتاجية والاحتفاظ بالموظفين ورفاههم ورضاهم.
توفر Workplaced الأدوات والرؤى التي تساعد الشركات على اجتياز هذه التحولات بذكاء، حتى لا تجد نفسها في الجانب الخطأ من تأرجح البندول.
المصادر والمراجع
- Startups UK (2025) الشركات البريطانية التي تطلب من موظفيها العودة إلى المكتب هذا العام
- Bloom, N., Han, R. وLiang, J. (2024) العمل الهجين من المنزل يحسّن الاحتفاظ بالموظفين دون الإضرار بالأداء. Nature 630، 920-925
- Labour (2024) خطة حزب العمال لجعل العمل مجزيًا: صفقة جديدة للعاملين
- Forbes (2024) مشروع قانون حقوق التوظيف لحزب العمال وتبعاته على العمل الهجين
- Southpaw Insights لصالح FTI Consulting (2025)
- Pew Research Center (الولايات المتحدة)
