توقّع Jensen Huang، الرئيس التنفيذي لشركة NVIDIA، مؤخرًا (بحسب مقال في مجلة Fortune بتاريخ 09-01-25) تحولًا جذريًا في مكان العمل، مشيرًا إلى أن وكلاء الذكاء الاصطناعي سيتولون قريبًا وظائف حيوية في الموارد البشرية والعمليات. ويؤكد هذا التحول التقني استمرار تراجع الإدارة الوسطى، إذ باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تتولى بشكل متزايد لا المهام المتكررة فحسب، بل وظائف اتخاذ القرار وإدارة الأفراد أيضًا.

ومع أن توسع الذكاء الاصطناعي يعد بالكفاءة وقابلية التوسع، فإنه ينطوي أيضًا على مخاطر. فطبقة الإدارة الوسطى كانت تحمل يومًا المعرفة بنسيج مكان العمل: الفهم العميق والضمني لديناميكيات الفرق، وأنماط التعاون غير الرسمي، والفروق الثقافية الدقيقة الحاسمة للإنتاجية والابتكار. أما الذكاء الاصطناعي، بكل قدراته، فيفتقر إلى هذا السياق المتمحور حول الإنسان، فيختزل اتخاذ القرار في نقاط بيانات بدلًا من التجارب المعاشة.

دفعنا ذلك إلى النظر في كيفية تحول بنية المؤسسات من منظور إطار Henry Mintzberg المعروف بـ Structures in 51. فباستخدام هذا الإطار، يمكننا تحليل كيف أثّرت هذه التحولات في المعرفة المؤسسية واتخاذ القرار والنسيج العام لمكان العمل. فمنذ تسعينيات القرن الماضي، أعاد تقلّص دور الإدارة الوسطى وصعود التكنولوجيا والأتمتة تشكيل الهياكل الهرمية للشركات، تاركًا الإدارة العليا في أحيان كثيرة دون فهم حاسم للعمليات اليومية. ولهذا آثار كبيرة على تصميم مكان العمل وتهيئته.

ومع أن نموذج Mintzberg الشهير ركّز على خمس تهيئات هيكلية رئيسية، منها البيروقراطيات الآلية والأدهوقراطيات، فإن ما نركز عليه هنا هو المكونات الخمسة الرئيسية للهيكل التنظيمي:

  1. القمة الاستراتيجية: القيادة العليا للمؤسسة (الإدارة العليا).
  2. الخط الأوسط: الإدارة الوسطى، التي تربط القمة الاستراتيجية بالنواة التشغيلية.
  3. النواة التشغيلية: الموظفون المسؤولون عن العمل التشغيلي الأساسي.
  4. البنية التقنية: المحللون والمخططون والأنظمة التي توحّد العمليات وتؤتمتها.
  5. موظفو الدعم: أقسام مثل الموارد البشرية وتقنية المعلومات وإدارة المرافق، التي تقدم خدمات أساسية لكنها لا تسهم مباشرة في الإنتاج.

تطور كل عنصر من هذه العناصر عبر العقود، وكان الخط الأوسط، أي طبقة الإدارة الوسطى، الأكثر تأثرًا. وقد أدى هذا التحول إلى التآكل التدريجي لما نسميه المعرفة بنسيج مكان العمل، أي الفهم العميق والضمني لكيفية إنجاز العمل فعلًا وأين يُنجز. ولتراجع هذه المعرفة آثار خطيرة على اتخاذ القرار، ولا سيما في سياق العودة إلى المكتب بعد الجائحة.

المشهد المتغير للعمل، مسقطًا على المكونات الخمسة للهيكل التنظيمي عند Mintzberg

التسعينيات: صعود الإدارة الرشيقة وتسطّح الهياكل

في التسعينيات، بدأت المؤسسات تتبنى فلسفات الإدارة الرشيقة، سعيًا إلى خفض التكاليف وتحسين الكفاءة بتقليص الطبقات البيروقراطية. وكان ذلك يعني في الغالب تقليص الإدارة الوسطى، التي أدت تقليديًا دورًا حيويًا في سدّ الفجوة بين التنفيذيين والنواة التشغيلية. ومع تسطيح المؤسسات لهياكلها، استُغني عن كثير من المديرين الوسطيين أو جرى استيعابهم في أدوار أخرى. وقد أسهم ذلك من بعض النواحي في تشكيل حقبة أماكن العمل المنقسمة بين مكاتب فردية للتنفيذيين ومساحات مفتوحة للجميع، إلى جانب كثير من مساحات الاجتماعات الرسمية.

وفي الوقت نفسه، بدأ دور البنية التقنية (المحللون والمخططون وأنظمة تقنية المعلومات) يتسع. فمع ظهور أوائل أنظمة تخطيط موارد المؤسسات (ERP) وأنظمة إدارة المرافق بمساعدة الحاسوب (CAFM)، بدأت الشركات بأتمتة العمليات الموحدة، مبتعدةً عن اتخاذ القرار الذي يقوده البشر ومتجهةً نحو نماذج أكثر اعتمادًا على البيانات. وخلّف تقليص الإدارة الوسطى فجوة معرفية، إذ كان هؤلاء المديرون في الغالب حَمَلة المعرفة الضمنية بسير العمل وديناميكيات الفرق والفروق التشغيلية الدقيقة التي نادرًا ما تحتك بها الإدارة العليا مباشرة.

الألفية الجديدة: التكنولوجيا والعولمة تحوّلان هياكل الشركات

شهد العقد الأول من الألفية تسارعًا كبيرًا في دور التكنولوجيا والعولمة في إعادة تشكيل المؤسسات. فقد تطلّب نمو الإنترنت والحوسبة السحابية وسلاسل الإمداد العالمية أن تصبح الشركات أكثر مرونة وانتشارًا. غير أنه مع ازدياد التشتت الجغرافي للمؤسسات، واصلت الإدارة الوسطى تقلّصها، مدفوعةً بالتركيز على الكفاءة وخفض التكاليف. وبالنسبة إلى مساحات العمل، عنت هذه المرونة عقود إيجار أقصر، وبدايات صعود المكاتب المرنة والمكاتب المشتركة غير المخصصة.

وخلال هذه الفترة، شهد موظفو الدعم (أقسام مثل الموارد البشرية وتقنية المعلومات وإدارة المرافق) أيضًا تغيرات كبيرة. فقد صار يُنتظر من الموارد البشرية وإدارة المرافق أن تضطلعا بأدوار أكثر استراتيجية، وأن تنجزا أكثر بموارد أقل. وفي الأثناء، اتسعت البنية التقنية أكثر مع تطبيق الشركات أنظمة تقنية معلومات أعقد لإدارة عملياتها العالمية. لكن في غياب الإدارة الوسطى بوصفها وسيطًا، ازداد انفصال الإدارة العليا عن الواقع اليومي لكيفية إنجاز العمل. وباتت القرارات المتعلقة باستخدام المساحة وانخراط الموظفين وديناميكيات الفرق تُتخذ بالاستناد إلى البيانات، مع التركيز على نسب الاستخدام، أكثر من الاستناد إلى الفهم البشري أو رضا الموظفين.

العقد الثاني من الألفية: الأتمتة وبدايات الذكاء الاصطناعي

شكّل العقد الثاني من الألفية بداية الأتمتة واسعة النطاق وصعود الذكاء الاصطناعي في هياكل الشركات. فالأتمتة، التي كانت مقتصرة يومًا على التصنيع، بدأت تتسلل إلى الوظائف المكتبية. واعتُمدت أدوات الذكاء الاصطناعي لتتولى مهام مثل تحليل البيانات وإعداد الجداول، بل وإدارة أداء الموظفين.

وفي الوقت نفسه، واصل دور الإدارة الوسطى تراجعه أكثر فأكثر. فقد طبّقت مؤسسات أكثر فرقًا مستقلة ذاتية الإدارة وهياكل أكثر تسطحًا، متوقعةً من موظفي الخطوط الأمامية أن يتحملوا مسؤوليات كان يتولاها تقليديًا المديرون الوسطيون. وأصبحت البنية التقنية أقوى من أي وقت مضى، مع احتلال تحليلات البيانات واتخاذ القرار المدفوع بالذكاء الاصطناعي صدارة المشهد.

غير أن لهذا التحول ثمنًا: مزيد من التآكل في المعرفة بنسيج مكان العمل. فقد كان المديرون الوسطيون يومًا مترجمي استراتيجية الشركة إلى واقع تشغيلي، يقدمون فهمًا قيّمًا لديناميكيات الفرق والشبكات غير الرسمية وثقافة المؤسسة. يضاف إلى ذلك أن نهج الفرق المستقلة جزّأ نقل المعرفة، وغالبًا إلى جزر منعزلة. ومع تقليص الإدارة الوسطى وتجزؤ الاستقلالية، بدأت المؤسسات تفقد هذه المعرفة الضمنية، ما أدى إلى إفراط في الاعتماد على البيانات الصلبة، التي كثيرًا ما عجزت عن التقاط تعقيدات التفاعلات البشرية، الرسمية والاجتماعية على حد سواء، والديناميكيات المعقدة لمكان العمل.

العشرينيات: الجائحة والعمل عن بُعد وثورة الذكاء الاصطناعي

جلبت العشرينيات اضطرابًا غير مسبوق مع جائحة كوفيد-19. فأصبح العمل عن بُعد القاعدة لملايين الموظفين، وسارعت المؤسسات إلى التكيف. ومع أن الاستجابة الأولى المفروضة كانت العمل عن بُعد من المنزل، فإن معظم الشركات تطورت واعتمدت نماذج عمل مرنة. فنشأت حقبة العمل الهجين، وكانت بالنسبة إلى كثير من الموظفين نموذجًا مفضلًا يُتوقع أن يبقى. غير أن فترة ما بعد الجائحة شهدت هوة متزايدة بين القيادة والموظفين بشأن فاعلية العمل الهجين.

فكثير من الشركات، ومنها Amazon وTesla، تفرض الآن العودة إلى المكتب. إذ تخطط Amazon لإعادة الموظفين بحلول عام 2025، ودفعت Tesla بالفعل نحو العمل الكامل من المكتب. ووفقًا لتقرير KPMG لعام 2023، يتوقع كثير من الرؤساء التنفيذيين عودة كاملة إلى المكتب، مستندين إلى مخاوف بشأن الإنتاجية والتعاون وثقافة الشركة. ومع ذلك، تكشف تقارير مثل تلك الصادرة عن Urbanite Advisors أن كثيرًا من الموظفين يفضلون العمل عن بُعد ويشعرون بأنهم أكثر إنتاجية خارج بيئة المكتب التقليدية. بل إن أول دراسة تجريبية منشورة عن العمل الهجين، أجراها Nicholas Bloom2، أظهرت أن العاملين بنظام هجين حققوا عمومًا رضا وظيفيًا أعلى ومعدلات استقالة أقل، وكانوا بالإنتاجية نفسها لمن عملوا حضوريًا بالكامل، وفق تقييمات الأداء.

ويعود هذا الانفصال إلى حد كبير إلى افتقار قادة الشركات اليوم إلى المعرفة بنسيج مكان العمل التي كان المديرون الوسطيون يوفرونها يومًا. ففي غياب إدارة وسطى تقدم فهمًا لكيفية إنجاز العمل (ولا سيما في النماذج الهجينة والعمل عن بُعد)، يتعرض اتخاذ القرار التنفيذي لخطر الانفصال عن واقع العمليات والأنشطة وانطباعات القوى العاملة.

دور الموارد البشرية وإدارة المرافق وتقنية المعلومات والعقارات اليوم

شهد كل قسم من هذه الأقسام تحولات كبيرة داخل هيكل الشركة، بآثار متفاوتة:

  1. الموارد البشرية. مع تراجع الإدارة الوسطى، دُفعت الموارد البشرية إلى موقع أكثر استراتيجية، فباتت تدير انخراط الموظفين ورفاههم وأداءهم على نطاق واسع. لكن في غياب إدارة وسطى تقدم فهمًا ميدانيًا، كثيرًا ما تعتمد الموارد البشرية اعتمادًا كبيرًا على التكنولوجيا، مثل تحليل الانطباعات المدفوع بالذكاء الاصطناعي. وهذا يترك الموارد البشرية بلمسة إنسانية أقل في حقبة أصبحت فيها ثقافة مكان العمل وتجربة الموظف أكثر أهمية من أي وقت مضى.
  2. إدارة المرافق. تُكلَّف فرق إدارة المرافق بتحسين المساحات المادية، لكن في غياب المعرفة الضمنية التي كانت الإدارة الوسطى توفرها يومًا، كثيرًا ما تعتمد على البيانات الخام. وقد يؤدي ذلك إلى تصاميم للمساحات لا تتوافق تمامًا مع كيفية تعاون الفرق واستخدامها للبيئات المكتبية، ولا سيما في النماذج الهجينة.
  3. تقنية المعلومات. نما دور تقنية المعلومات نموًا كبيرًا، وأصبحت أقسامها محورية في استراتيجية المؤسسة. غير أن تقنية المعلومات كثيرًا ما تجد صعوبة في الموازنة بين الحلول التقنية والجوانب الإنسانية للعمل. وفي غياب الإدارة الوسطى، قد لا يفهم قادة تقنية المعلومات تمامًا كيف تؤثر التكنولوجيا في العمليات اليومية ورضا الموظفين.
  4. العقارات (المؤسسية). مع تقلّص البصمة المادية للمكاتب، تحولت الاستراتيجيات العقارية تحولًا جذريًا. غير أن القرارات العقارية كثيرًا ما تُتخذ على أساس كفاءة التكلفة لا على أساس كيفية دعم المساحة المكتبية لثقافة الشركة أو انخراط الموظفين.

كان التغيير الأهم خلال العقود القليلة الماضية هو تفريغ الخط الأوسط: الطبقة الحاسمة من المديرين الوسطيين المسؤولين عن ترجمة الاستراتيجية إلى واقع تشغيلي. ومع اختفاء هذه الطبقة، اتسعت البنية التقنية، واستوعب الذكاء الاصطناعي والأتمتة كثيرًا من أدوار اتخاذ القرار والتحسين التي كان يشغلها البشر يومًا.

ما الذي ينقص، وكيف تستعيد Workplaced المعرفة بنسيج مكان العمل

في مواجهة هذه التغيرات، تفتقد المؤسسات مكوّنًا حاسمًا من المعرفة: الفهم البشري الذي كانت الإدارة الوسطى توفره يومًا. وهنا تقدم Workplaced حلولها.

  1. الموارد البشرية. توفر Workplaced بيانات آنية عن انطباعات الموظفين وانخراطهم، تساعد فرق الموارد البشرية على وضع سياسات مرنة تعكس تفضيلات الموظفين واحتياجات المؤسسة معًا.
  2. إدارة المرافق. تقدم Workplaced بيانات تفصيلية عن استخدام مكان العمل، تتجاوز المقاييس الخام لتلتقط كيف تستخدم الفرق المساحات المكتبية فعلًا وكيف تتعاون. وهذا يساعد فرق إدارة المرافق على تصميم مساحات تتوافق مع الأهداف التشغيلية والثقافية معًا.
  3. تقنية المعلومات. تدمج Workplaced التكنولوجيا مع الملاحظات الآنية من الموظفين، فتضمن أن تتوافق استثمارات تقنية المعلومات مع كيفية عمل الناس، لا مع توقعات القيادة وحدها.
  4. العقارات (المؤسسية). تسدّ Workplaced الفجوة بين الاستراتيجيات العقارية الموفرة للتكاليف والتجربة الإنسانية. ونقدم فهمًا لكيفية تأثير استخدام المساحة في الثقافة والانخراط والإنتاجية، بما يساعد الشركات على اتخاذ قرارات أكثر استنارة بشأن بيئاتها المكتبية.

ومع استمرار الذكاء الاصطناعي والأتمتة في إعادة تشكيل القوى العاملة، يجب على المؤسسات أن تدرك حدود اتخاذ القرار القائم على البيانات. فالمعرفة الضمنية المتمحورة حول الإنسان التي كانت الإدارة الوسطى توفرها يومًا لا يمكن تعويضها.

وبالعمل مع Workplaced، تستطيع المؤسسات استعادة ذلك الفهم المتمحور حول الإنسان الذي فقدته، واتخاذ قرارات أفضل وأكثر استنارة بشأن مستقبل العمل. فالتقاط فهم تفصيلي للعمليات والأنشطة وانطباعات القوى العاملة يساعد على إعادة وصل نسيج المعرفة، الذي ثبت أنه أساسي لبيئات مكتبية منتجة.

المصادر والمراجع

  1. Mintzberg, H. | 1979 | The Structuring of Organizations | Prentice-Hall
  2. Bloom, N., Han, R. & Liang, J. | 2024 | Hybrid working from home improves retention without damaging performance | Nature | doi.org/10.1038/s41586-024-07500-2